السيد نعمة الله الجزائري

168

الأنوار النعمانية

عن طلبي أينما ذهبت حتى يسفكوا دمي ، فعند ذلك يلبسهم اللّه ذل الدنيا والآخرة وما خرج من مكة الا خائفا من القتل « 1 » . الثالث ان الأنبياء والأئمة عليهم السّلام قد خصهم اللّه تعالى بأنواع من التكاليف فلعل هذا وهو الا لقاء إلى التهلكة منها نظرا إلى الحكم المصالح الإلهية ، ومن ثم روي أنه لو لم يقم عليه السّلام بالجهاد الذي قام به لما استتم حجة الشيعة وذلك ان المخالفين لنا يقولون إن سكون علي عليه السّلام عن المتخلفين دليل على رضاه عنهم والا فما يمنعه عن الجهاد وهو أشجع الشجعان ؟ فنقول لهم ان الذي منعه هو الخوف على نفسه الا تروا إلى مولانا الحسين عليه السّلام لما قام يطلب حقه كيف جرى عليه من المصائب والبلوى فان قلت كيف لم يبايع عليه السّلام ليزيد حتى لا يصل اليه ذلك الضرر ، قلت هذا مجرد كلام والمؤمن لا يلدغ من جحر مرتين وذلك أنه عليه السّلام رأى أخاه الحسن عليه السّلام لما سالم معاوية كيف فعل به أولا وكيف غدر به آخرا حتى قتله مسموما فما كان يصنع ابنه يزيد مع الحسين عليه السّلام الا أسوأ من هذا ، لأن معاوية كان فيه الدهاء وما كان يتجرأ على قتل الحسين عليه السّلام ظاهرا ولهذا أوصى عند موته ليزيد انك تظفر بالحسين فلا تقتله واذكر فيه القرابة من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم واما السير والتواريخ الواردة بكيفية شهادته عليه السّلام فهي على تكثرها لم تستوف المصائب التي جرت عليه وعلى أهل بيته من بعده وأصحابه الذين قتلوا معه ولنشر إلى طرف منها فانا قد استوفيناها في المجلد الثاني من كتابنا الموسوم بنوادر الأخبار روى الصدوق طاب ثراه مسندا إلى الرضا عليه السّلام قال كان أبي صلوات اللّه عليه وآله إذا دخل شهر المحرم لا يرى ضاحكا وكانت الكآبة تغلبه حتى تمضي منه عشرة أيام فإذا كان يوم العاشر كان ذلك اليوم يوم مصيبته وحزنه وبكائه ، وكان يقول هذا اليوم الذي قتل فيه الحسين عليه السّلام . أقول يظهر من هذا الخبر ومما روي بمعناه ان ما يفعله عوامنا في عشرة أيام المحرم من اجتناب أكثر الملاذ والتشبّه بأهل المصيبة في المأكل والملبس ودخول الحمام وترك حلق الرأس وغير ذلك ليس هو بدعة بل هو ثواب جزيل واشتراك لأهل البيت عليهم السّلام في مصابهم وروينا بالأسناد إلى ابن محمود قال الرضا عليه السّلام ان المحرم شهر كان أهل الجاهلية يحرمون فيه القتال

--> ( 1 ) وقد امر يزيد لعنه اللّه بقبضه ( ع ) أو قتله فإنه انفذ عمر بن سعيد بن العاص من المدينة إلى مكة في عسكر عظيم وولاة امر الموسم وامره على الحاج كلهم فحج بالناس وأوصاه بقبض الحسين ( ع ) سرا وان لم يتمكن منه يقتله وامره ان يناجز الحسين ( ع ) القتال ان هو ناجزه فلما كان يوم التروية قدم عمر بن سعيد إلى مكة في جند كثيف ثم إن يزيد دس مع الحاج في تلك السنة ثلاثين رجلا من شياطين بني أمية وامرهم بقبض الحسين ( ع ) على أي حال اتفق فلما علم الحسين ( ع ) عزم على التوجه إلى العراق .